الحدود الشرقية؛ لاينساها التاريخ

  • انداز قلم

م إلياس نظري

الناظر في خريطة إيران يجد بأدنى نظرة، حدودا تربط بين خراسان وبلوشستان، ولو تأمل التاريخ، وعالج القضايا بالدقة، ليستخرج البتة صلات موثقة أخرى لا انفصام لها.

 حدثت صلة جديدة بين هاتين المقاطعتين، صلة العزاء، ورابطة الهموم والغموم، ذاقتا من كأس المرارة واحدة تلو الأخرى، مصيبة ألم بالثانية مثل ما ألم بالأولى، وما أشبههما!

 هوى البلاء بأجنحته السوداء إلى حدود خراسان، ثم إلى حدود بلوشستان، إنها الحدود الشرقية التي قاطنوها من أهل السنة والجماعة، إندلاع النار، ثم إطلاق النار، الحريق، ثم الحريق.

 إن هذه الفاصلة القليلة من "۱رجب" إلى "۹رجب"، صنعت تاريخا كبيرا للحدود الشرقية الإيرانية، لأهل السنة خاصة، كأن الدهر في هذه البرهة لم يترك سهما من سهامه المريشة لم يرمها به، ولا جرعة من كأس مصائبه، ورزاياه لم يجرعها إياه.

 

حدود خراسان لا تزال متحيرة عما وقعت، إنها هائمة، مختبلة، ترمي بنفسها المرامي، ماذا حدث؟ أية لحظة هذه؟ الناس في ضنك من العيش، يموتون من أجل قطعة من الرغيف، هل يحق لهم أن يتجرعوا المرائر لمرة أخرى في هذه الظروف الشديدة، العابسة؟ من أين نشأت؟ أليست هذه مما يزيد الطين بلة؟ ويصب الملح على الجراح؟

 لا ينسى التاريخ والأيام ولا ننسى نحن أيضا، يومًا رهيبًا..عيونًا محدقة، ونظرات حادة، توحي أنه في هذا الجانب ما يلفت النظر، ويحير العقل، صوت خفي يسمع: الأفق، الأفق، فإذا بغيوم سوداء، سحب متراكمة، أمما يرجی منها المطر؟، لا والله، إنه دخان متصاعد من الحرائق.

نطير فوق سماء "إسلام قلعة"، يا لهول المنظر! إنها قطعة من جهنم؟ من جعل جمارك "إسلام قلعة" و"دوغارون" هكذا جحيما متسعرا، كلما نقترب منها يزداد صوت الانفجارات لصهاريج الوقود، وبعض المخازن للمياه والغاز.

 حريق وأي حريق! ما أضخمه، وما أكبره، التهم مئات من الشاحنات، وابتلع كثيرا من الناس، وجعله مدقوقا، مسحوقا، مدمرا، في هذه الجمركة الإيرانية الأفغانية.

 انفجار هائل، وواسع، بسبب احتراق شاحنة واحدة، ومن أحرق الشاحنة الأولى؟! هذا شيء، الله به عليم. ولفت المسئول إلى أن الحادثة أسفرت عن احتراق ما قيمته ٥ ملايين دولار، وتدمير ٥٠٠ شاحنة.

 

نعم!

الحادثة أسفرت بعد نشوب الحريق عن هذا العدد من الخسارة وهذا كما يقول بعد جريان المساعي للسيطرة على الحريق، وإرسال فرق الإطفاء، والإغاثة، والإنقاذ، وأي فعل آخر يدل على هذا المعنى.

 وبعد الجهود المضنية المبذولة انتهت عملية الإطفاء، ولکن الأمر لم ينته بسلام، بقيت مقبرة سوداء، أموال هائلة ذهبت أدراج الرياح بسبب غفلة، أو عدم التدبير، وو.. ولو بذلت الجهود، وكرست جميع المواهب، فهل تنفع؟ الماء منفسخ في الرمال، من يستطيع أن يرد الماء المسفوح؟ أو عود الكبريت لو احترق، من يستطيع أن يعيد العود المحروق؟

 النار أكلت كل شيء، وأبقت على قلب كل ذي لب حرقة، ولوعة لا تنمحي، لا بارك الله في النار التي كانت في المنافذ الحدودية هي الحطمة، التي تطلع على الأفئدة، ولا بارك الله في من يسعى في الناس دمارا، ويعيث في الأرض فسادا.

 نار لم تنطفأ هناك تماما، بل أخذت مسيرتها علی خط الحد، ومضت لطريقها إلى الجنوب، لم تكتف بما فعلت، ولم تشبع بما أكلت، ولم ترضها ما قتلت، ولم يشف غيظها ما دمرت، وهدمت، ولم تقتنع بالأموال دون الأنفس، حتى عضت أناسا آخرين بأنيابها، في صورة أخرى، وفي منطقة أخرى، تركت خراسان وتمسكت بجارها بلوشستان؟

 لم يكن هذه المرة في صورة اندلاع النار، بل إطلاق النار، لا إلى الشاحنات، والصهاريج بل إلى أناس يعيشون بكد يمينهم، وعرق جبينهم، يعملون لئلا يموتوا جوعا، يعملون ليرفعوا رؤوسهم أمام أسرهم، كانوا يقطعون عن أفواههم ليقدموا ثمنا طيبا لأسرهم، إنهم قتلوا، واستهدفوا،  ،بتعبير أخينا الكاتب " حينما تكون الروح ثمن الرغيف"، بذلوا أرواحهم ومهجهم دون عملهم وأبناءهم وزوجاتهم، دون عمل لا يعد من هكذا السرقات، ولا الخيانات ولا المفسدات.

 

مدنيون من سكان سراوان، قتلوا، وجرحوا جراء إطلاق النار عليهم، تجمعوا في معبر حدودي تم إغلاقه مسبقا، وطالبوا بفتحه، فإذا بإطلاق النار من جانب حرس الحدود ما أدى بمقتل بعض وإصابة آخرين.

 إن الحادث أثار سخط الناس في أقاصي البلد وأدانيه، وخارج البلد، وأدان الجميع هذا العمل الجبان، وطلبوا معاقبة مرتكبي الجريمة.

 حادثة تحتاج إلى تحقيق دقيق، واضح، ويعامل مع المخطئين وفقا للقانون والشريعة، ولا فرق بين ضابط أو مسئول وبقية المواطنين، ولا فرق أيضا بين مواطن من محافظة ومحافظة أخرى، ولا مذهب و مذهب آخر، بل لا بد أن يعترف من أخطأ بخطئه ويعاقب، ويعتذر تسلية للأسر المفجوعة.

 ولو كتبت كلمات الحبيب إلى قلوبنا، شيخ الإسلام عبدالحميد، بالذهب، لبخسنا أيضا حق الكلمات، إنه -حفظه الله- يقول: "كلّ من يعتذر عن خطأه سواء كان مسؤولا أو غير مسؤول سيُحظى بشعبية لدى الناس، وسيكون هذا سبباً لنهاية المشكلة والقضية، ويكون أيضا سبباً لتسلية المفجو

عين، لذلك إنّ خطابي للجميع أن من ارتكب خطأ، يجب أن يعترف بخطئه ويعتذر".

الله ولي أمرهم، والأمور ترجع إليه وعليه التكلان، وهو المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.